الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
20
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجيء بالفعل المضارع في وَيَوْمَ يَمُوتُ لاستحضار الحالة التي مات فيها ، ولم تذكر قصة قتله في القرآن إلّا إجمالا . [ 16 - 21 ] [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 16 إلى 21 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) جملة وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ عطف على جملة ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ [ مريم : 2 ] عطف القصة على القصة فلا يراعى حسن اتّحاد الجملتين في الخبرية والإنشائية ، على أن ذلك الاتحاد ليس بملتزم . على أنك علمت أن الأحسن أن يكون قوله ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا مصدرا وقع بدلا من فعله . والمراد بالذكر : التّلاوة ، أي أتل خبر مريم الذي نقصّه عليك . وفي افتتاح القصة بهذا زيادة اهتمام بها وتشويق للسامع أن يتعرفها ويتدبرها . والكتاب : القرآن ، لأنّ هذه القصة من جملة القرآن . وقد اختصت هذه السورة بزيادة كلمة فِي الْكِتابِ بعد كلمة وَاذْكُرْ . وفائدة ذلك التنبيه إلى أن ذكر من أمر بذكرهم كائن بآيات القرآن وليس مجرد ذكر فضله في كلام آخر من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم كقوله : « لو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي » . ولم يأت مثل هذه الجملة في سورة أخرى لأنه قد حصل علم المراد في هذه السورة فعلم أنه المراد في بقية الآيات التي جاء فيها لفظ اذْكُرْ . ولعل سورة مريم هي أول سورة أتى فيها لفظ وَاذْكُرْ في قصص الأنبياء فإنها السورة الرابعة والأربعون في عدد نزول السور . و إِذِ ظرف متعلق ب اذْكُرْ باعتبار تضمنه معنى القصة والخبر ، وليس متعلقا به في ظاهر معناه لعدم صحة المعنى . ويجوز أن يكون ( إذ ) مجرد اسم زمان غير ظرف ويجعل بدلا من ( مريم ) ، أي اذكر زمن انتباذها مكانا شرقيا . وقد تقدم مثله في قوله ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نادى